في عالمٍ يركض بنا مسرعًا، قلّما نجد الوقت لنركض نحن بأنفسنا، لا أقصد الركض للحاق بالباص أو العمل أو المواعيد المتأخرة، بل الركض الذي نمنحه لأنفسنا، لنفوسنا، لأجسادنا التي تنتظر فرصة للتنفس
الجري ليس رياضة فقط، بل فلسفة، تجربة، نوع من العلاج النفسي، ووسيلة فعّالة لإعادة بناء الذات،قد تبدأه من أجل اللياقة، لكنك ستكتشف لاحقًا أنك تهرب به من ضغوطك، وتعود من كل جولة ركض إنسانًا أخفّ، أصفى، وأقوى
الجري اذا أدخلته الى حياتك بالطريقة الصحيحة سرعان ما ستلحظ تغير كبير في مجرى حياتك على جميع الأصعدة، انه بالفعل تغيير شامل ويتعدى الجري مفهوم الرياضة ليصل الى مفاهيم أكثر عمقا وأكثر جملا مفاهيم تجعلك تركز على الوقت الحالي، فالجري هو كبسولة بمجرد أن تأخذها تدخلك لعالم عيش اللحظة الحالية
لا تحتاج الى قراءة آلاف الكتب التي تعني بالصحة النفسية وكيفية أن تعيش حياة سعيدة لأن مناص الأمر أن تكون سعيدا في أن تعيش اللحظة الحالية، والجري ببساطة يجعلك تعيش اللحظة الحالية
فكر بالأمر بهذه الطريقة
أنت تجري يعني أنك حي
حتى تشعر بفائدة الجري عليك أن تبدأ الجري بالطريقة الصحيحة، فالجري يحتاج الى لياقة بدنية لذلك عليك التحسين من لياقتك البدنية وفي البداية لا داعي لعمل مسافات طويلة، ابدأ بالمسافات القصيرة مثلا كأن تجري 2 كيلو والأهم أن لا تربط الجري بنقصان الوزن فأنت تريد أن تدخل الجري في حياتك حتى تستفيد من التغيير الشامل الذي سيحدثه في حياتك ومن بين هذه التغييرات هي نقصان الوزن والوصول الى الوزن الذي تريده
يحتاج الجري الى أن تهتم بغذاءك وأن تتناول فيتامينات والكيترولايت لتعوض النقص بعد كل عملية جري حتى يتسفيد جسمك من رياضة الجري
لاحظ نفسك وأنت تجري استمتع بالأشياء التي حولك، راقب الطبيعة، تأمل وأريدك أن تجعل هذا الوقت الذي خصصته للجري هو وقت لك، وقت لكي ترتاح من هموم العمل ومن مكدرات الحياة، وتذكر أن هذا الوقت الذي تجري به هو وقتك أنت، وقتك لتسمتع بالطبيعة وتتامل وتشاهد وتراقب وتترك روحك تجري مع جسدك
البداية دائمًا صعبة… لكنها البداية فقط
ربما تشعر بأن الجري مرهق، أو ممل، أو لا يناسبك، وقد تحاول مرّة أو مرتين وتشعر أنك لا تقدر على الاستمرار، هذا طبيعي. الجري لا يطلب منك أن تكون عدّاءً محترفًا منذ اليوم الأول بل يطلب منك فقط أن تبدأ، ولو بخطوة واحدة
مع كل يوم، ستلاحظ تحسّنًا بسيطًا لن يتحسن تنفُسَك يتحسّن فقط، بل ستبدأ تلاحظ الفرق في حالتك النفسية: تصبح أكثر هدوءًا، أكثر قدرة على التحمل، وأكثر توازنًا في ردّات فعلك فما الذي يحدث بالضبط؟ وكيف يؤثّر الجري على صحتك النفسية؟
الجري والصحة النفسية: علاقة شفاء حقيقية
الجري يقلل القلق والتوتر
كلنا نعيش مستويات متفاوتة من القلق، سواء من العمل، أو العلاقات، أو المستقبل. الجري يساعد على تصفية الذهن، لأنه يحفّز الجسد على التخلص من هرمونات التوتر مثل الكورتيزول
الجري يحارب الاكتئاب
لا يُعد الجري علاجًا طبيًا بديلًا، لكنه بالتأكيد يساعد في تخفيف أعراض الاكتئاب، كثير من الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية، ينصحهم الأطباء بممارسة الرياضة بشكل منتظم، وعلى رأسها الجري وذلك لأنه يحسّن من كيمياء الدماغ ويزيد من الإحساس بالتحكّم والإنجاز
زيادة الثقة بالنفس
كل مرة تُنهي فيها مسافة جديدة، أو تحسّن سرعتك، تشعر بالفخر وهذا الشعور لا يقتصر على وقت الجري فقط، بل يمتد إلى حياتك عمومًا، الجري يبني في داخلك إحساسًا بالقدرة والسيطرة والنجاح، ويُعلّمك أن التطوّر ممكن، مهما بدا بطيئًا في البداية
تحسين جودة النوم
واحدة من أعظم فوائد الجري النفسية هي تحسين النوم. إذا كنت تعاني من الأرق أو النوم المتقطع، فإن الجري المنتظم يساعدك على النوم بشكل أعمق وأكثر راحة، وذلك لأن الجسم بعد مجهود بدني، يبحث عن الراحة، والدماغ يهدأ تدريجيًا
الجري كتأمل متتحرك
يعطيك الجري الفرصة لتتأمل بعمق وتراقب نفسك وتراقب الطبيعة وهذه اللحظة هي لحظتك في التأمل وعيش اللحظة الحالية، ستشعر في هذه اللحظة أنك سعيد لأنك ابتعدت عن الماضي وتوقفت عن متابعة المستقبل، فهذه فرصة بأن تعيش اللحظة الحالية وأنت تجري وتستمتع في الوقت الحالي
الجري كعادة يومية
حين يتحوّل الجري إلى عادة، لن تستطيع التخلي عنه ستشتاق إليه كما تشتاق للقهوة الصباحية أو لحظات الهدوء سيكون وقتك الخاص، موعدك مع نفسك، وملجأك من صخب العالم وبوابتك الى عالم السكينة والسعادة
مع الوقت، لن تقتصر الفائدة فقط في الجسم الرشيق أو الوزن المناسب، بل في ذلك السلام الداخلي الذي يسكنك بعد كل جولة جري. ذلك الشعور بأنك أقوى مما كنت تعتقد، وأنك قادر على تجاوز كل ما يثقلك... خطوة بخطوة ستشعر أنك أفضل مماكنت
الجري أفضل هدية ممكن أن تقدمها لنفسك
الجري ليس رياضة للمحترفين فقط، بل هو هدية يمكنك تقديمها لنفسك كل يوم لن يغيّر حياتك بين ليلة وضحاها، لكنه سيزرع فيك بذور التغيير الحقيقي سيجعلك أكثر حضورًا، أكثر توازنًا، وأكثر انسجامًا مع ذاتك
فإن كنت تشعر بالضياع، بالضغط، أو بالحزن، لا تبحث بعيدًا اربط حذاءك، واخرج للجري. فربما، تكون هذه الخطوات القليلة بداية حياة جديدة تمامًا